فخر الدين الرازي
365
المطالب العالية من العلم الإلهي
فهؤلاء هم الذين قالوا : هذا العالم جسم ، وكل جسم فإنه ممكن لذاته ، بحسب ذاته ، وبحسب جميع أجزاء ماهيته . وكل ممكن فلا بد له مؤثر . والمؤثر في جميع الأجسام ، يمتنع أن يكون جسما . ثم قالوا : المؤثر على سبيل الاختيار : غير معقول ، بناء على الشبهات التي ذكرناها . فثبت : أن ذلك المؤثر موجب بالذات ، فهذا العالم ممكن الوجود لذاته ، واجب الوجود بوجوب سببه وعلته . وهذا مذهب جمهور الفلاسفة ، الذين هم أتباع « أرسطاطاليس » فإن هذا القول هو الذي اختاره هذا الرجل ، ونصره [ أصحابه « 1 » ] وأتباعه من المتقدمين والمتأخرين ثم هاهنا موضعان للبحث : الموضع الأول : أن يقال : المبدأ الأول . هل يعقل أن يكون مبدأ لجميع الممكنات ، أو يقال : إنه مبدأ لشيء واحد ، ثم ذلك الشيء الواحد يكون مبدأ للكثرة ؟ . أما القول الأول : وهو أن المبدأ الأول لجميع الممكنات ابتداء . فما رأيت قوما من الفلاسفة قالوا به . بل اتفقوا على القول الثاني ، وهو أنه تعالى واحد . والواحد لا يصدر عنه إلا الواحد ، فهو تعالى علة للعقل الأول . ثم إن العقل الأول علة لثلاثة أشياء : العقل الثاني ، والنفس ، والفلك . وسيأتي تفصيل قولهم في هذا الباب . والموضع الثاني من البحث : هو أن يقال : لم لا يجوز أن يقال : إن واجب الوجود يؤثر في وجود الأجسام ، تأثير على سبيل الإيجاب الذاتي ، ثم إنه يركبها على الصفات المختلفة بحسب اختيارها ؟ فعلى هذا التقدير : إنه موجب بالنسبة إلى الذوات ، ومختار بالنسبة إلى الصفات . وأما القسم الثالث : وهو أن يقرّ بإثبات [ إله « 2 » ] فاعل بالاختيار لهذا العالم ، ويعترف بأنه لا يفعل إلا ما يوافق مصالح الخلق . وهؤلاء هم الذين أطبقوا على أنه إله العالم ، يجب أن يكون عادلا ناظرا لعباده ، رحيما بهم ،
--> ( 1 ) من ( ط ، س ) . ( 2 ) من ( ط ) ويقال ( ط ) ويقر ( ت )